محمد متولي الشعراوي
1689
تفسير الشعراوى
وهذه دقة البيان القرآني التي توضح مقام الإحسان ، فيكون في مالهم حق للسائل والمحروم ، وليس هناك قدر معلوم للمال الذي يخرج ، لأن المقام هنا مقام الإحسان الذي يعلو مقام الإيمان ، ومقام الإيمان - كما نعرف - قد جاء ذكره في قوله الحق : وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ( 24 ) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ( 25 ) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ( 26 ) ( سورة المعارج ) فالإنسان في مقام الإيمان قد يقيد الإخراج من ماله بحدود الزكاة أو فوقها قليلا ، لكن في مقام الإحسان فلا حدود لما يخرج من المال . وهكذا نعرف أن أهل الكتاب ليسوا سواء ؛ فمنهم من دخل الإسلام من باب الإحسان ، فقال فيهم الحق : « لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ » ، وكأن الحق بهذا الاستثناء الواضح . يؤكد لنا أننا لا يصح أن نظن أن أهل الكتاب جميعهم هم الذين جاء فيهم قوله : « ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ » لا ؛ فأهل الكتاب ليسوا سواء ، ولذلك لا يكون حكم اللّه منسحبا عليهم جميعا ، فمن أهل الكتاب جماعة قائمة بتلاوة القرآن آناء الليل وهم يسجدون ، إنهم أمة قائمة ، وكلمة « قائم » هي ضد « قاعد » ، والقعود غير الجلوس ، فالجلوس يكون عن الاضطجاع فيقال : كان مضطجعا فجلس . لكن عندما نقول : « كان قائما » فإننا نقول فقعد ، فالقعود يكون بعد القيام . والقعود في الصلاة مريح ، أما القيام فهو غير مريح ، ونحن نعرف أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم كان يقف في الصلاة حتى تتورم قدماه ؛ لأن الثقل كله على القدمين ، ولكن عندما نقعد فنحن نوزع الثقل على جملة أعضاء الجسم . وعندما يصفهم الحق : « مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ » فمعنى ذلك أنهم أخذوا أمانة أداء الفروض بكل إخلاص ، وكانوا يؤدون الصلاة باستدامة وخشوع . ويستمر الحق في وصفهم في الآية التالية :